الجصاص

128

أحكام القرآن

حاقنا بها دمه ، فكأنه قال : حتى يعطيها وهو راض بها . ويحتمل : ( عن يد ) عن نعمة ، فيكون تقديره : حتى يعطوا الجزية عن اعتراف منهم بالنعمة فيها عليهم بقبولها منهم . وقال بعضهم : ( عن يد ) يعني عن نقد من قولهم : يدا بيد . وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى : كل من أطاع القاهر بشيء أعطاه عن طيب نفس وقهر له من يد في يده فقد أعطاه عن يد . قال : والصاغر الذليل الحقير . وقوله : ( وهم صاغرون ) قال ابن عباس : " يمشون بها ملببين " ، وقال سلمان ( 1 ) : مذمومين غير محمودين " ، وقيل : " إنما كان صغارا لأنها مستحقة عليهم يؤخذون بها ولا يثابون عليها " . وقال عكرمة : " الصغار إعطاء الجزية قائما والآخذ جالس " . وقيل : " الصغار الذل " . ويجوز أن يكون المراد به الذلة التي ضربها الله عليهم بقوله : ( ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس ) [ آل عمران : 112 ] ، والحبل الذمة التي عهدها الله لهم وأمر المسلمين بها فيهم . وروى عبد الكريم الجزري عن سعيد بن المسيب أنه كان يستحب أن يتعب الأنباط في الجزية إذا أخذت منهم . قال أبو بكر : ولم يرد بذلك تعذيبهم ولا تكليفهم فوق طاقتهم ، وإنما أراد الاستخفاف بهم وإذلالهم . وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا إسحاق بن الحسن : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا سفيان عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا لقيتم المشركين في الطريق فلا تبدؤوهم بالسلام واضطروهم إلى ضيقه " . وحدثنا عبد الباقي قال : حدثنا مطير قال : حدثنا يوسف الصفار قال : حدثنا أبو بكر بن عياش عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تصافحوا اليهود والنصارى " . فهذا كله من الصغار الذي ألبس الله الكفار بكفرهم ، ونحوه قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ) [ آل عمران : 118 ] الآية ، وقال : ( لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) [ المائدة 51 ] ، فنهى في هذه الآيات عن موالاة الكفار وإكرامهم وأمر بإهانتهم وإذلالهم ، ونهى عن الاستعانة بهم في أمور المسلمين لما فيه من العز وعلو اليد ، وكذلك كتب عمر إلى أبي موسى ينهاه أن يستعين بأحد من أهل الشرك في كتابته ، وتلا قوله تعالى : ( لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ) [ آل عمران : 118 ] ، وقال : لا تردوهم إلى العز بعد إذلالهم من الله . وقوله تعالى : ( حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) قد اقتضى وجوب قتلهم إلى أن تؤخذ منهم الجزية على وجه الصغار والذلة ، فغير جائز على هذه القضية أن تكون

--> ( 1 ) قوله : " وقال سلمان " هو سلمان الفارسي رضي الله عنه صرح به أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط . ( لمصححه ) .